شبكة الحرية الإعلامية .. عينك على الحدث

الجدار العازل.. مساحة مجانية لإعلانات المقدسيين

  • ملفات مميزة
  • تاريخ النشر: 01/10/2018 - 12:28
  • رابط مختصر
    http://www.hr.ps/ar/127854.html
الجدار العازل.. مساحة مجانية لإعلانات المقدسيين
حجم الخط

ليس رسما ولا زخرفة، بل لوحات وإعلانات تجارية علَّقها أصحابها فوق جدار الفصل، الذي تقيمه إسرائيل على أراضي المواطنين في بلدة الرام شمال القدس المحتلة، ليكسروا قهرا فرضته كتل خرسانية حوَّلت حياتهم جحيما وعزلتهم عن مدينتهم المقدسة.

في شارع رام الله-القدس المار بمحاذاة الجدار الفاصل ببلدة الرام لم تدب الحياة منذ شيَّد الاحتلال جداره عام 2000، وهناك أيضا لم يعد المكان يوصف بأنه الأكثر حيوية والأنشط اقتصاديا فلسطينيا، فالجدار أطبق على كل شيء هناك سياسيا واقتصاديا.

يحاول الشاب المقدسي محمد موسى (20 عاما)، الذي يُدير مطعما للأكلات الشعبية في الشارع المذكور، كسر صمت المكان ولفت الأنظار له ولموضع رزقه، فيلجأ لتعليق يافطة دعائية، تحمل اسم المطعم وأبرز ما يقدمه، فوق الجدار الفاصل، تلك وسيلة صارت ديدن التجار والحرفيين هناك للتعريف بهم وبأشغالهم المختلفة.

بعلو يزيد عن ثمانية أمتار يرتفع الجدار، أمام مطعم محمد والمحال الأخرى، حاجبا الشمس والهواء وليس الزبائن فقط، ولهذا سعى الشاب لكسر الصمت الذي يُخيِّم في الشارع بنصب لوحته الدعائية، قائلا إنه ينوي شراء لافتة أكبر لوضعها قريبا كي تشد انتباه الناس أكثر.

بهذه الطريقة حوَّل محمد ومثله الكثيرون في شارع رام الله-القدس الجدار للوحة إعلانات لمحالهم التجارية، محاولين التغلب على منغصات الاحتلال، والتقليل من نفقات "باهظة" كانوا سيدفعونها ثمنا للإعلان بوسائل الإعلام المختلفة.

وهو يعد نفسه لتسليم إحدى الطلبيات يروي محمد للجزيرة نت قصته قائلا، إنه أعاد افتتاح المطعم منذ أشهر بعد أن أغلقه صاحبه الأصلي بفعل ممارسات الاحتلال ومضايقات عبر الجدار وغيره، وهو يحاول بكل الطرق جذب الزبائن إليه، ويضيف "استفدت وتجارٌ آخرون من فضاء الجدار الواسع، وكسرنا في الوقت نفسه ظلمه وظلمته".

بمناطق عدة في الضفة الغربية والقدس حيث يتلوى الجدار كالأفعى فوق أراضي الفلسطينيين، شكلت الكتله الإسمنتية الصماء أرضية خصبة لرسومات محلية وعالمية، خطَّها فنانون عالميون، أمثال الفنان التشكيلي البريطاني "بانكسي" الذي أرَّق الاحتلال بلوحاته على جدار مدينة مهد السيد المسيح (بيت لحم).

بعضهم أيضا خط شعارات وعبارات تحمل رسائل إنسانية بلغات شتى، طرقوا بها آذان العالم ليطلع على معاناة الفلسطينيين، يظهر ذلك بوضوح في رسالة خطها متضامنون أجانب بلغتهم على طول الجدار بمنطقة الرام.

تقول والدة محمد التي كانت تساعده بتجهيز بعض الوجبات، لكن "الدعاية تعد التجربة الأولى في شارع رام الله-القدس بهذا الكم والكثافة". وتضيف أنه وبهذه اللافتات فاقت إرادة الفلسطينيين علو الجدار "وعنفه". وأضحت شكلا من طرق "مقاومة" الجدار.

لبعض الوقت تركت أم محمد عملها وسارت معنا لتروي قصة معاناتهم مع الجدار، الذي دمر حياتهم الاقتصادية والاجتماعية، تشير بيدها لثقوب أحدثها الاحتلال لتصريف مياه الأمطار بين ضفتي الجدار، فاستغلها المقدسيون لتمرير بضائعهم وحاجاتهم، تجنبا للمرور عبر الحاجز، بعض ثنايا الجدار حوَّلها طلبة المدارس لمقاعد يستريحون فوقها هربا من حر الشمس وطول الطريق.

في بوابة القدس الشمالية (الرام) صادر الجدار نصف أراضي البلدة المقدرة بثلاثة آلاف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع)، وشلَّ الحياة الاقتصادية بإغلاقه عشرات المصانع والمحال التجارية، وبفضله هجر مواطنون بلدتهم وعادوا للقدس للحفاظ على هويتهم.

ومثل محمد يُصارع المقدسي فيصل حمادة، صاحب محل، للبقاء صامدا بعد أن أغلقت عشرات المحال التجارية أبوابها، وهو من قريب علق يافطة "أضخم" من سابقتها، غير آبه بردات فعل جنود الاحتلال، الذين ينزعونها واللوحات الأخرى "ويغرِّمون أصحابها ماليا".

بالنسبة لفيصل كما غيره من التجار والباعة هناك، الجدار مرفوض بكل أحواله واستعمالهم له بالإعلانات وغيرها لا يعني تعاطيهم معه وقبولهم له، وإنما تحد ورفض له وللاحتلال الذي "دمَّر" حياتهم اقتصاديا واجتماعيا، حسب قوله.

قبل اللجوء للجدار كان محمد وفيصل يلجآن للدعاية عبر بطاقات ورقية ملونة يضعانها عند رصيف الشارع لجذب الزبائن، لكنها لم تحظ باهتمام المارة كما فعلت اللافتات فوق الجدار، وهو فعل يؤكد نجاعته خبراء الدعاية والإعلام.

 

الجزيرة - عاطف دغلس

البث المباشـــر لقنوات الحرية