باحث إسرائيلي: هدف “حماس” ابتزاز "الاحتلال" والحفاظ على صورة المقاتل
يحذر باحث إسرائيلي بارز من خطورة تبعات “المعركة بين الحروب” التي تخوضها حركة حماس ويدعو لصياغة خطة استراتيجية بعيدة المدى مقابل كل الفلسطينيين. ويقول دكتور ميخائيل ميليشتاين، المحاضر والباحث في معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب إن جولة التصعيد التي تواجهها إسرائيل في الشهر الأخير كانت استثنائية، قياسا إلى الأزمات السابقة في الساحة الفلسطينية. ويعلل ذلك، ضمن مقال نشر في موقع القناة العبرية 12، بالقول إن التصعيد الحالي يحدث في مواقع كثيرة، ويتخذ صورا وأشكالا كثيرة أيضا، (“إرهاب” فردي، توتر في المسجد الأقصى، “قطرات” صاروخية من غزة ولبنان، بالإضافة إلى اشتباكات مسلحة في الضفة الغربية). كما يزعم أنه لا يوجد “سبب” واضح له: ليلة الأحداث، بصورة خاصة، ساد هدوء نسبي، بسبب خطوات إسرائيل المهدئة، وعلى رأسها التسهيلات المدنية في الضفة الغربية وغزة، وتحييد موضوع حي الشيخ جراح، وتحسين العلاقات مع دول المنطقة. ويتابع: “على الرغم من ذلك فإن خيطا رفيعا يربط بين الجبهات المتوترة الخمس- القدس، والضفة، وغزة و”فلسطينيي الداخل”، ولبنان – ويقود إلى “حماس”.
الحديث يدور حول عدة أذرع تهدد إسرائيل، لكن مصدرها كلها في “رأس” واحد ينسق فيما بينها، ويوزع القوة ويحدد توقيت التحركات المختلفة”.
ويعتبر ميليشتاين أن “حماس” عمليا تدفع قدما بـ”المعركة بين الحروب”، و”التمييز بين الجبهات” وهما مصطلحان صاغتهما إسرائيل، ثم أعادت الحركة استعمالهما، ويتم تطبيقهما في الصراع بين الطرفين. وبرأي الباحث الإسرائيلي تطمح “حماس” إلى تحقيق هدفها الأيديولوجي، من خلال الاشتباك مع إسرائيل في الجبهات المريحة لها، من دون جر غزة إلى مواجهة عسكرية واسعة. ويشير الى أنه في هذا السياق، يبدو التشديد واضحا على الجهود المستمرة لإشعال الضفة والقدس، مع حفظ الهدوء النسبي في غزة التي يخرج منها التحريض الأكبر و”الإرهاب”، الأمر يشبه إعلان “القاعدة” أنها ستضرب فقط في مواقع محددة في الولايات المتحدة، من دون أُخرى. ويعتبر ميليشتاين أن الجهود الحالية تشكل حلقة إضافية في جهود تطوير “المعركة بين الحروب” الخاصة بـ “حماس”، التي تتضمن أيضا “مسيرات العودة” و”إرهاب البالونات الحارقة”، وهدفها أيضا ابتزاز إسرائيل والحفاظ على صورة المقاتل، من دون الانجرار إلى حرب واسعة في غزة، أو تقديم تنازلات، وبصورة خاصة في قضية الجنود الأسرى والمفقودين لديها.
الأرض الخصبة
في المقابل يوضح أن إسرائيل من جانبها، تتحضر لمواجهة معركة مثل التي خاضتها في العام الماضي، لكنها تقف أيضا أمام نموذج تهديد جديد مركب وغامض. وعن هذا التهديد يقول إنه حتى اللحظة، لم تندلع مواجهة في غزة، أو انتفاضة في الضفة، أو هبة في المجتمع العربي في إسرائيل (“إنجاز استراتيجي”، حسب “حماس”، تم صوغه خلال عملية “حارس الأسوار”، وجرت محاولات لاستثماره والحفاظ عليه لاحقا)، لكن هناك درجة عالية جدا من التوتر تنطوي على احتمالات الانفجار في عدة جبهات. وضمن اتهاماته لحماس يقول إنها تتحمل مسؤولة عن جزء كبير من التحريض، وتحاول نقله إلى مستوى عمليات قاتلة، من خلال استغلال “الأرض الخصبة” في وسائل التواصل الاجتماعي والمشكلات الأساسية العميقة التي يعيشها جزء كبير من جيل الشباب الفلسطيني، مدعيا أن “حماس” يمكنها إنهاء رمضان الحالي مع شعور بالإنجاز: حققت اشتباكات و”مقاومة عملية” في جبهات غير غزة، عززت صورتها كـ”حامية للقدس”، وشعرت بأنها نجحت في ردع إسرائيل عن اتخاذ خطوات ضدها وتلقت ضربات محدودة نسبيا.
وعلى مستوى الاستنتاجات يرى أن إسرائيل من جانبها، مطالَبة بإجراء مراجعة لسياساتها تجاه الجبهة الفلسطينية عموما، وغزة بصورة خاصة، حيث لا وجود لاستراتيجية منتظمة طويلة الأمد، على ما يبدو بسبب الواقع السياسي السيء. وبرأيه، في هذا السياق، سيكون من المهم جدا صوغ قواعد اللعبة من جديد مقابل “حماس”، التي تمتعت خلال العام الأخير بتسهيلات مدنية غير مسبوقة (وعلى رأسها السماح للعمال بالدخول إلى إسرائيل)، عبر وضع أثمان واضحة لهذه التسهيلات، أهمها وقف جهود “حماس” في إشعال الضفة الغربية، والتقدم في ملف جثامين الجنود والأسرى.
ويسعى ميليشتاين للإقناع برؤيته بالقول إنه من الممكن أن تؤدي سياسة كهذه إلى توتر في قطاع غزة ومع ذلك، فإن البديل هو الاستعداد للاستمرار في تلقي الضربات على عدة جبهات وقبول شروط التمييز التي تفرضها “حماس”، واستغلالها لإدخال التحسينات على الوضع المدني بهدف تثبيت حكمها وتجهيزاتها للمعركة المقبلة للاستيلاء على قيادة المنظومة الفلسطينية. ويخلص الباحث الإسرائيلي للقول: “مرة أُخرى الخيار الاستراتيجي في غزة هو بين السيء والأسوأ، والسير في هذه الجبهة يتطلب من إسرائيل الوضوح في الرؤية، إلى جانب الصبر بمستوى لا يقل عن الصبر الموجود لدى “حماس”. يتعين على الحكومة عدم تضييع رافعة استراتيجية مثل “جي ستريت” من أجل تحقيق أهدافها”.
في سياق متصل يقول آفي جيل – مدير عام سابق لوزارة الخارجية، وزميل باحث في “معهد سياسة الشعب اليهودي” إن اللوبي اليهودي “جي ستريت”، المتماهي مع الحزب الديمقراطي الأمريكي، كان موضع عدم اكتراث من جانب الحكومات الإسرائيلية أعواما طويلة. وعندما قرر شيمون بيريز الخروج عن الخط المعتاد والاجتماع بممثلي المنظمة في مركز الرئاسة الإسرائيلية، لم تتأخر الانتقادات في الظهور. ويشير لعدم تبدد الموقف المتحفظ لإسرائيل الرسمية بمرور الأعوام لكن اليوم، وفيما يتعلق بالقضية النووية الإيرانية، فإنه من الممكن أن تكون منظمة “جي ستريت” حليفا فاعلا بصورة خاصة. ويشير إلى استطلاع جديد أجراه “المعهد الانتخابي اليهودي” أنه على رأس قائمة الموضوعات التي تستقطب اهتمام اليهود في الولايات المتحدة يوجد موضوع البيئة (29%)، بينما يحتل موضوعا إسرائيل (4%) وإيران (3%) أسفل القائمة. هذه الصورة برأي آفي جيل يجب أن تثير القلق لدى السياسيين في إسرائيل وحتى لو قررت هذه الدفع قدما بإصلاحات عميقة من أجل ترميم علاقاتها بالشتات اليهودي، فإن المهمة ستستغرق سنوات.
ويعتقد أن التهديد الذي تمثله إيران لن ينتظر نضوج عملية ترميم كهذه، ويقول إنه مع اتفاق نووي أو من دونه، إسرائيل بحاجة منذ الآن إلى مساعدة كبيرة من الولايات المتحدة، سواء على صعيد العتاد العسكري، أو من أجل الصراعات على الساحة السياسية ويتعين على الحكومة الإسرائيلية فحص كل الإمكانات من أجل تحقيق ما تريده من واشنطن.
يهود أمريكا
ويرى أن العنصر الفوري القادر على المساعدة من أجل تحقيق هذه المهمة هو يهود الولايات المتحدة ويتابع:”لكن في الأعوام الأخيرة تحول التعاون بين إسرائيل وبين يهود أمريكا إلى مشكلة. سِجِل المواجهة الصعبة التي دارت بين نتنياهو وأوباما بشأن المسألة الإيرانية لم ينسَه يهود أمريكا. لقد شكلت هذه المواجهة صدمة تسببت بتعميق الشرخ مع إسرائيل، وألحقت الضرر بعمل المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة”. وبرأيه تسببت هذه القضية أيضا في تقسيم المجموعة اليهودية في الولايات المتحدة وأدى سلوك رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو إلى مفاقمة هذا الشرخ: لقد شعر اليهود، ناخبو الحزب الديمقراطي (الذين يشكلون نحو 70% من اليهود الأمريكيين)، بأن نتنياهو يتجاهلهم، وأن أنصاره يعتبرون أن الإنجيليين أكثر ولاء منهم لإسرائيل. ويضيف: “لم يغِب تأثير هذه الصدمة عن حكومة بينيت – لبيد، التي تتصرف بحذر مبالَغ فيه، انطلاقا من رغبة إيجابية بحد ذاتها في ترميم العلاقات مع يهود أمريكا – كي لا تبدو كأنها تضعهم بين المطرقة والسندان. الانتقال من قطب متطرف إلى قطب معاكس، ينطوي أيضا على خطر”.
ويرجح جيل أن بينيت ولبيد وغانتس لن يكرروا تصريحات مثل تصريحات سفير إسرائيل السابق في الأمم المتحدة داني دانون، من حزب الليكود، حين قال: (“يتعين على الزعامة اليهودية الأمريكية الاختيار بين تأييد الاتفاق النووي مع إيران، أو تأييد إسرائيل”)، لكن برأيه لا يزال هناك مجال للتعبير عن حاجات إسرائيل والعمل بالحساسية المطلوبة. ويرى أيضا أنه ضمن هذا الإطار، فإن اللوبي اليهودي “جي ستريت”، بصورة خاصة، يمكن أن يكون فعالا. ويوضح كيف ينبغي أن يتم ذلك بالقول إن اللوبي الذي يتماهى مع خط الحزب الديمقراطي أيد سياسة أوباما، وبعده بايدن، اللذين سعيا للتوصل إلى اتفاق مع إيران ولا يستطيع أحد اتهام “جي ستريت” بعدم الولاء للرئيس بايدن، وفي حال وُقع الاتفاق، فإن المنظمة ستتجند من أجل الدفع قدما بخطوات تضمن رقابة أكبر على تطبيقه، من خلال تعزيز قوة إسرائيل، وإذا لم يوقع الاتفاق – فإنها ستدفع قدما بخطوات صارمة لمنع حصول إيران على سلاح نووي، ولجم مساعيها التخريبية”.
واعتقد آفي جيل أن إجراء حوار مع “جي ستريت” ومؤيدي اللوبي من ناخبي الحزب الديمقراطي، هو السبيل الناجع للبدء مجددا بإثارة اهتمام اليهود في الولايات المتحدة بالتحديات التي تواجهها إسرائيل. ويخلص للقول: “عندما يتعاظم تهديد حقيقي للأمن الإسرائيلي القومي وعلى الشعب اليهودي عموما، من واجب الحكومة الإسرائيلية عدم الانجرار إلى مجاملات لا لزوم لها من أجل إسماع صوتها. وفي الوقت عينه، يجب عدم تضييع فرصة استخدام رافعة استراتيجية، مثل “جي ستريت” من أجل تحقيق أهدافها”.