حكاية شعبٍ رفض أن يصدق البئر
حكاية شعبٍ رفض أن يصدق البئر….
بقلم :شادي عياد
في مكانٍ ما بعيدًا عن أعين العالم، سقطت مجموعة من الضفادع في بئرٍ عميقة…
بئرٌ لم تكن مخيفة فقط بارتفاع جدرانها، بل بما زرعته في القلوب من سؤال قاسٍ:
هل يمكن لمن سقط في القاع أن يرى السماء من جديد؟
كانت الضفادع تقفز نحو الضوء.
تجمع ما تبقى فيها من قوة، تضغط على أرجلها الصغيرة وتحاول أن تصنع من المستحيل طريقًا.
لكن كل قفزة كانت تنتهي بسقوط، وكل محاولة كانت تحمل معها ألمًا جديدًا.
وفوق حافة البئر، كانت تقف ضفادع أخرى تراقب.
لم تنزل لتساعد.
لم تمد يدًا.
لم تبحث عن طريقة للخروج.
اكتفت بالصراخ.
“توقفوا… لن تنجحوا.”
“البئر أعمق من قدرتكم.”
“لقد انتهى الأمر.”
كانت كلماتهم تسقط على القلوب قبل أن تسقط الضفادع على الأرض.
ومع الوقت، لم يعد السقوط هو العدو الأكبر…
بل أصبح الصوت الذي يشرح لهم أن السقوط هو قدرهم.
توقفت ضفادع كثيرة عن المحاولة.
ليس لأنها فقدت القدرة على القفز، بل لأنها فقدت الإيمان بأن القفز يستحق العناء.
إلا واحدًا
بقي يقفز.
لم يكن يرى نفسه بطلًا، ولم يكن يملك قوة خارقة، ولم يكن يعرف أن الآخرين يرونه واهمًا.
كان فقط يحمل في داخله شيئًا صغيرًا وعظيمًا في آنٍ واحد:
إيمانًا صامتًا بأن السماء التي يراها فوقه ليست وهمًا.
سقط مرة… فنهض.
نزف مرة… فحاول.
تعب مرة… فاستجمع ما بقي منه.
حتى كانت اللحظة التي لم يتوقعها أحد.
وصل إلى الحافة.
خرج من البئر.
وعندما اقتربوا منه ليسألوه عن سره، اكتشفوا الحقيقة العجيبة…
لقد كان أصمًّا.
لم يكن يسمع صيحات الإحباط، وكان يظن أن كل تلك الأصوات التي تصرخ من حوله ليست إلا هتافات تشجعه على الصعود.
وهنا ليست العبرة في أن نصبح صُمًّا عن الحقيقة، بل أن نعرف أي الأصوات نستحق أن نسمع.
كم تشبه هذه الحكاية فلسطين…
فلسطين التي وُلدت في قلب بئرٍ من الألم، لا بئرٍ من التراب فقط.
بئرٌ حُفرت حولها الحروب والخذلان والانقسامات وطول الانتظار.
منذ عقود، وهناك من يقف على حافة هذه البئر ليقول للفلسطيني:
“تعبتَ… توقف.”
“لم يعد هناك طريق.”
“الأحلام الكبيرة لا مكان لها في هذا العالم القاسي.”
لكنهم لم يفهموا شيئًا واحدًا…
أن الشعب الذي حمل وطنه في ذاكرته لا يسقط بسهولة.
وأن الإنسان الذي يرث الحكاية من أجداده لا يستطيع أن يدفنها لمجرد أن الطريق أصبح صعبًا.
فلسطين لم تكن يومًا قصة شعب لم يسقط.
بل قصة شعب سقط كثيرًا… لكنه رفض أن يجعل من القاع عنوانه الأخير.
كم مرة ظن العالم أن الحكاية انتهت؟
كم مرة قيل إن الزمن تجاوز القضية؟
كم مرة خرج من يعلن أن الأبواب أغلقت؟
وفي كل مرة، كانت فلسطين تظهر من مكان لا يتوقعه أحد.
من طفل يحمل اسم مدينة لم يرها.
من أم تخبئ مفتاح بيت قديم.
من شاعر يحول الجرح إلى قصيدة.
من إنسان عادي ينهض صباحًا ليقول: ما زلت هنا.
لأن الوطن ليس فقط أرضًا نعيش عليها…
الوطن فكرة تسكننا.
والأفكار العظيمة لا تموت لأنها تتأخر، ولا تنتهي لأنها تواجه الجدران.
لكن هناك درسًا آخر في حكاية الضفدع الأصم…
فليست كل الأصوات التي ترتفع حولنا تستحق أن تدخل أرواحنا.
هناك أصوات لا تريد لنا أن نرى النور، لأنها اعتادت العيش في العتمة.
هناك أصوات تجد راحتها في إعلان الهزيمة، لأنها لم تتعلم معنى المحاولة.
نعم، يجب أن نرى الحقيقة كاملة.
يجب أن نعترف بالأخطاء، وأن نراجع الطريق، وأن نبحث عن الأفضل.
لكن لا يجوز لشعبٍ أن يتحول إلى أسير لصوت يقول له: لا تحاول.
فالأمم لا تموت عندما تواجه الجدران…
تموت عندما تصدق أن الجدران لا يمكن تجاوزها.
ربما تحتاج فلسطين اليوم إلى شيء من ذلك الضفدع الأصم…
إلى أجيال تسمع صوت المستقبل أكثر من ضجيج الإحباط.
إلى قلوب تعرف أن الطريق الطويل لا يعني الطريق المستحيل.
إلى إرادة لا تنكر الألم، لكنها ترفض أن تجعل الألم قدرًا أبديًا.
فالبئر مهما كانت عميقة، لا تستطيع أن تمنع من يؤمن بالسماء.
والليل مهما طال، لا يستطيع أن يقنع الفجر بأنه لن يأتي.
وفي النهاية، لم ينتصر الضفدع لأنه لم يسقط…
بل لأنه كلما سقط، تذكر أن مكانه ليس هناك.
وهكذا هي فلسطين…
قد تتعب، قد تنزف، قد تتأخر لحظة الوصول، لكنها ما دامت تعرف أن فوقها سماء، وما دام فيها من يقفز نحوها، فإن الحكاية لم تُكتب نهايتها بعد.
فربما يكون أعظم انتصار لشعبٍ محاصر في بئر التاريخ…
أن يبقى مؤمنًا بأنه خُلق ليصل إلى الضوء.
بقلم: شادي عياد