الأغنية التي لم تنتهِ .. بقلم: شادي عياد
الأغنية التي لم تنتهِ…..
بقلم: شادي عياد
كانوا في الماضي يغنّون لفلسطين كما لو أنهم يرون ما لا نراه نحن.
فيروز غنّت للقدس، ومارسيل خليفة حمل فلسطين إلى المسارح، وأحمد قعبور جعل صوت الإنسان الفلسطيني جزءًا من الأغنية، وجوليا بطرس جعلت للمقاومة نبرةً لا تخطئها الأذن، وغيرهم كثيرون وضعوا فلسطين في أفواه وقلوب الناس، حتى صار اسمها يُغنّى في بلادٍ لم يرَ أهلها مخيمًا فلسطينيًا واحدًا.
لم يكونوا يملكون جيوشًا لتحرير فلسطين.
كانوا يملكون صوتًا.
فأعطونا إياه.
قالت فيروز:
«زهرة المدائن».
وقيل لنا:
«سنرجع يومًا».
وكانت الأغنية في ذلك الزمن، أكثر من لحن.
كانت طريقةً كي لا يعتاد العالم غياب فلسطين.
واليوم، لو سألنا أنفسنا سؤالًا بسيطًا:
ماذا بقي من تلك الأغاني فينا؟
سنكتشف شيئًا مخيفًا وجميلًا في آنٍ واحد.
المخيف أننا حفظنا الكلمات أكثر مما حفظنا المعنى.
والجميل أن المعنى لم يمت.
فماذا كانت تعني «سنرجع يومًا» لأجيالٍ وُلدت في المخيمات ولم ترَ البيت؟
لم تكن موعدًا على التقويم.
كانت إعلانًا بأن الزمن لا يملك حق إلغاء الحق.
وماذا كانت تعني «زهرة المدائن»؟
أن القدس ليست صورةً على جدار، ولا عنوانًا في كتاب، ولا ذكرى نستدعيها في المناسبات.
كانت تعني أن هناك مدينةً يجب أن تبقى حيّة في الوجدان، حتى لو حاول المحتل أن يجعل احتلالها أمرًا عاديًا في عيون العالم.
وربما لهذا، حين نسمع اليوم أغنيةً قديمة لفلسطين، نشعر بشيء غريب:
كأن الماضي لا يغنّي لنا.
كأنه يسألنا.
يسألنا عن فلسطين التي حملناها بعدهم.
هل بقيت القدس في القلب، أم أصبحت مجرد صورة؟
هل بقي اللاجئ صاحب حق، أم أصبح رقمًا في ذاكرة السياسة؟
هل بقيت فلسطين أكبر من الأشخاص، أم سمحنا للأشخاص أن يصبحوا أكبر منها؟
وهذه المرة، لا نحتاج إلى إجابةٍ حزينة.
نحتاج إلى إجابةٍ تليق بفلسطين.
نقول لهم:
نعم، مررنا بأيامٍ لم تكن تشبه الأغاني.
نعم، خسرنا كثيرًا.
نعم، أخطأنا أحيانًا.
نعم، تعبنا واختلفنا وانقسمنا، وتركنا بعض المساحات لمن لا يستحقها.
لكننا لم نفقد فلسطين.
ولم نفقد القدرة على النهوض.
فالذين غنّوا «سنرجع يومًا» لم يطلبوا منا أن نبقى أسرى للحن.
كانوا يتركون لنا شيئًا أكبر:
أن نكمل الأغنية.
وهنا يبدأ دورنا.
هم كتبوا المقطع الأول.
ونحن نكتب المقطع الأخير.
ليس بالكلمات وحدها.
بل بأن نحمي فلسطين من الاحتلال، ونحمي روحها من اليأس، ونحمي وحدتها من العبث، ونحمي مستقبلها من الذين يريدونها مجرد ورقةٍ في أيديهم.
أن نقاوم الاحتلال لأن الأرض لنا.
وأن نقاوم اليأس لأن المستقبل لنا.
وأن نرفض كل من يحاول أن يقنع الفلسطيني بأن قدره هو الهزيمة.
لا.
لسنا أبناء أغنيةٍ حزينة.
نحن أبناء قضيةٍ بقيت حيّة رغم كل الذين راهنوا على موتها.
ولذلك، حين تعود فيروز إلى القدس بصوتها، وحين يعود مارسيل إلى فلسطين بأغنياته، وحين نستعيد أصوات الذين سبقونا إلى السماء، لن يكون السؤال:
ماذا حدث لفلسطين؟
سيكون السؤال:
ماذا فعلتم بما تركناه لكم؟
وعندها يجب أن تكون الإجابة واضحة:
تركتم لنا أغنية…
فحفظناها حتى صارت وطنًا.
تركتم لنا حلمًا…
فحملناه حتى صار موعدًا.
تركتم لنا فلسطين في الكلمات…
فأبقيناها في القلب، وفي الأرض، وفي المستقبل.
والأغنية التي بدأت منذ عقود ولم تنتهِ بعد، لها مقطعٌ أخير ينتظرنا.
فلا تبحثوا عن نهايتها في نشرات الأخبار.
نحن نهايتها.
ونحن، بإيماننا، وبصبرنا، وبوحدتنا، وبإصرارنا على الحرية، سنكتب لها اللحن الذي طال انتظاره:
فلسطين التي غنّوا لها… ستأتي.
بقلم شادي عياد