الحمار الذي اشترى صهيله بدماء الوطن..بقلم : شادي عياد
كان ذلك أكبر سباق عرفته البلاد.
لم يكن سباقاً عادياً، فقد أعلنت عنه الصحف قبل أشهر، وامتلأت الشاشات بصور الخيول وهي تعدو في السهول، تضرب الأرض بحوافرها، ويتناثر الغبار من تحتها كأنه يكتب في الهواء بشارة النصر.
قيل يومها إن العالم كله سيتابع السباق.
وقيل أيضاً، في واحدة من أغرب الأكاذيب التي يمكن أن تولدها غرف الدعاية والإعلام الخائن، إن المشاركة ليست حكراً على الخيول.
وهنا بدأت الحكاية او "الكارثة ".
كان في أطراف الغابة حمارٌ صدّق أن المشكلة لم تكن يوماً في أنه حمار، وإنما في أن الآخرين لم يكتشفوا بعد أنه حصان.
والأغرب أن الحمار لم يكن مجهولاً لأحد.
كانت الغابة تعرفه، والغابات المجاورة تعرفه، وحتى الغابات البعيدة التي لم تره إلا في الصور كانت تعرفه كما هو: حماراً.
لم يكن في الأمر سرّ يحتاج إلى اكتشاف. لكن الدعاية لم تكن بحاجة إلى إخفاء الحقيقة، بقدر حاجتها إلى إعادة ترتيبها.
وجدت فيه ضالتها، اي بالحمار.
اقتربت منه ذات مساء وهمست في أذنه:
لماذا لا تشارك؟
نظر إليها طويلاً.
أنا؟
ومن قال إنك لست حصاناً؟
كانت تلك أول مرة في حياته يخاطبه أحد بهذه الثقة.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ الحمار يرى نفسه بعين الدعاية لا بعين المرآة.
قالوا له إن نهيقه صوت جديد لم تسمعه الغابة من قبل، وإن حوافره الثقيلة ليست دليلاً على بطئه بل على «قوة الضربة»، وإن أذنيه الطويلتين ليستا فضيحة في ميدان الخيول بل «ميزة استراتيجية».
ثم أقنعوه بأن التاريخ لا يصنعه من يعرف قدراته، بل من يملك الجرأة على تجاهلها.
فصدّق.
ولم يكن الحمار ساذجاً تماماً. فقد اكتشف سريعاً أن تصديق الآخرين له يمكن أن يكون أكثر ربحاً من صدقه مع نفسه.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يسأل:
«هل أنا حصان؟»
بل صار يسأل:
«أي حصان أنا؟»
وحين جاءه أصدقاؤه القدامى، الثعالب والأفاعي والذباب والعقارب، قالوا له:
يا صاحبي، أنت حمار.
غضب.
لا لأنهم ظلموه، بل لأنهم ذكّروه بالحقيقة.
طردهم جميعاً وقال:
أنتم لا تفهمون حجم المشروع!
وكان المشروع يحتاج إلى مال.
مال كثير.
فبدأ يجمع الرسوم من جيوب القطيع. من الفقير الذي لا يجد علفاً لحيوانه، ومن الأرملة التي تخبئ آخر حفنة قمح، ومن العامل الذي ينتظر أجره، وحتى ممن لم يختاروا المشاركة أصلاً.
ثم قال لهم:
هذا ثمن النصر.
وكان بعض القطيع، وقد أنهكه الفقر، يجد في الحمار عزاءً غريباً. فكلما ضاقت به الغابة قال:
«لعل هذا الحمار هو الذي سيخرجنا منها.»
وبلغ الأمر ببعضهم أن يرفع عينيه إلى السماء قبل أن يدفع، كأن الدعاية استطاعت أن تمنح الحمار تفويضاً لا تمنحه عادةً إلا المعجزات.
وهكذا لم يعد مجرد حمار.
صار عند بعضهم «علامة».
وصار الاعتراض عليه اعتراضاً على الأمل.
وصار السؤال عن جدوى السباق نوعاً من التشاؤم.
أما الذين كانوا يعرفون أنه حمار، فقد أصبحوا أقلية محرجة في غابة قررت، ولو لبعض الوقت، أن تصدق الصورة بدل المرآة.
والغابات الأخرى كانت تعرفه أيضاً.
لكن أصواتاً خرجت من داخل الغابة قالت لها:
«أنتم لا تعرفونه كما نعرفه.»
فصدّقت بعض الغابات الرواية، لا لأنها لم تعرف الحمار، بل لأنها لم تعرف إلى أي حد يمكن للدعاية أن تجعل الحقيقة نفسها موضع شك.
ودُفعت الأموال.
وبها اشترى الحمار لنفسه ثوباً فاخراً.
وحين نظر إلى صورته على الشاشات، لم يعد يرى حماراً.
رأى حصاناً.
بل حصاناً استثنائياً.
بل حصاناً سيغيّر تاريخ السباق.
جاء يوم السباق.
كانت الخيول الحقيقية واقفة عند خط البداية: أجساد مشدودة، أعناق عالية، عيون تعرف الطريق، وأرجل تدربت طويلاً على المسافة.
أما الحمار فكان يقف بينها منتفخ الصدر.
كانت كاميرات العالم تنقل المشهد.
والجمهور، كما تعلم الدعاية جيداً، يصدق الصورة قبل أن يسأل عن الحقيقة.
وحين بدأت الخيول تصهل، اهتز المكان.
صهيل طويل، عميق، خرج من حناجر تعرف معنى أن تكون خيلاً.
رفع الحمار رأسه وقال في نفسه:
«ها هم يقلدونني.»
ثم بدأ ينهق.
مرة.
مرتين.
ثم بكل ما أوتي من ثقة.
كان يظن أن علو الصوت دليل القوة.
لكن شيئاً غريباً حدث.
سكتت الخيول.
والتفت الجمهور.
ثم بدأ الضحك.
ضحكة هنا، وأخرى هناك، حتى تحولت الضحكات إلى موجة.
وفي لحظة واحدة اكتشف الحمار أن العالم لم يكن يرى الحصان الذي صنعته له الشاشات.
كان يرى الحمار الذي حاولت الشاشات أن تخفيه.
ومع ذلك لم يفهم بعد.
كان لا يزال يعتقد أن المشكلة في الجمهور.
ثم أُعطيت إشارة الانطلاق.
انطلقت الخيول.
لم تجرِ.
لقد انفجرت في المضمار.
ارتفعت الأرض تحت حوافرها، وتطاير الغبار، واختفت الأجساد في خط الأفق.
أما الحمار…
فبقي مكانه.
لأول مرة لم تكن الكاميرات في خدمته.
كانت عليه.
ولأول مرة لم يكن الإعلام يصنع صورته.
كان يكشفها.
نظر أمامه، ثم خلفه، ثم إلى الجمهور.
وفي تلك اللحظة حدث الشيء الذي تأخر طويلاً:
فهم.
فهم أنه لم يكن حصاناً.
وفهم أن الذين قالوا له ذلك لم يكونوا أغبياء كما ظن.
كانوا يعرفون.
بل إن كثيراً منهم كانوا يعرفون منذ البداية.
كانوا يحتاجون فقط إلى حمار يصدّق أنه حصان.
لكنه فهم شيئاً آخر، أكثر مرارة:
أنه لم يكن بريئاً تماماً.
فقد أحب الكذبة حين منحته المجد، وأحب التصفيق وهو يعرف في داخله أنه لا يستحقه، وأحب أن يسمع كلمة «منقذ» أكثر مما أحب أن يسأل:
«من الذي سيدفع الثمن؟»
عاد إلى الغابة.
لكن الغابة لم تعد كما تركها.
الأموال اختفت.
المخازن فارغة.
القمح الذي جمعه من أفواه الفقراء صار ديوناً.
والبيت الذي كان يأويه باعه ليشتري به تذكرة السباق.
حتى أصدقاؤه الذين طردهم عادوا معه.
الثعالب تضحك.
والأفاعي تلتف حوله.
والذباب يحوم فوق رأسه.
والعقارب تتظاهر بأنها لم تكن تعرفه.
لكن المصيبة لم تعد في الغابة وحدها.
كانت الفاتورة قد كبرت حتى تجاوزت دفتر حساباتها.
أصبحت أكبر من الغابة نفسها.
بدأت تصل إلى غابات أخرى، غابات لم تشارك في السباق، ولم تدفع الرسوم، ولم تختر الحمار، ولم تقف عند خط البداية.
ومع ذلك وجدت نفسها تدفع الثمن.
حوافر لم تطأ أرضها.
وخيول لم ترها.
وحمار لم تنتخبه.
وكانت هناك غابات أخرى، مليئة بحمير من نوع آخر، تدفع من قوتها هي أيضاً. حمير لم تركض في ذلك المضمار، لكنها وجدت نفسها في آخر الأمر جزءاً من الحساب.
جلس الحمار عند باب بيته القديم.
لكنه لم يعد بيته.
وبينما كان يحاول أن يفهم كيف حدث كل ذلك، وصلته ورقة صغيرة من منظمي السباق.
فتحها.
كان فيها سطر واحد:
«نشكر مشاركتك… ونبحث الآن عن مشارك جديد.»
ارتجف الحمار.
ليس خوفاً من أنه خسر.
بل خوفاً من أن تكون المسرحية لم تنتهِ.
رفع رأسه نحو الغابة.
فقد عرف شيئاً واحداً الآن:
المنظمون لا يحتاجون إلى حمار واحد.
إنهم يحتاجون دائماً إلى حمار جديد.
وهنا تصبح الحكاية أقل طرافة.
لأننا إذا أسقطنا القناع الحيواني عنها، سنجد أن أخطر ما فيها ليس الحمار.
الحمار ضحية غروره، وشريك في خدعته في الوقت نفسه.
الأخطر هو ذلك الصوت الذي أقنعه بأنه حصان.
الصوت الذي جعل من كارثةٍ على أهلها «إنجازاً»، ومن الدم «نصراً»، ومن المأساة «ملحمة»، ومن الحساب «مؤامرة»، ومن السؤال عن الثمن خيانة.
وهنا تحديداً تلتقي الحكاية بما سُمّي «طوفان الأقصى».
فالذين قرروا فتح بوابة الجحيم لم يكونوا وحدهم في المشهد. كان هناك إعلام بنى لهم المرآة التي أحبوا أن ينظروا فيها، وقال لهم إن ما يفعلونه بطولة مطلقة، وإن التاريخ سيصفق لهم، وإن النار التي ستفتحها أفعالهم ستلتهم الآخرين وحدهم.
لكن التاريخ لا يكتب الرواية في غرفة الدعاية.
والدم لا يقرأ البيانات الصحفية.
والبيوت التي تسقط لا تعرف شيئاً عن «الانتصار الإعلامي».
والطفل الذي يبحث عن أهله تحت الركام لا يستطيع أحد أن يقنعه بأن الخراب الذي يراه جزء من «الخطة الكبرى».
لقد كان الخطأ الأكبر أن يُقنع أحدٌ حماراً بأنه حصان.
لكن الخطيئة الأكبر أن يُقنعه بذلك وهو يعرف أن المضمار مليء بالبنادق، وأن الجمهور ليس جمهور سباق، وأن الثمن لن يدفعه الحمار وحده.
بل إن الحكاية تصبح أشد قسوة حين نكتشف أن بعض القطيع كان يعرف الحقيقة.
رأى الحمار.
ورأى الخراب.
ثم ظل، تحت سطوة الدعاية، يقول:
«ربما هو المنقذ.»
وهكذا يصبح الوهم أحياناً أقوى من المشهد نفسه.
ومع ذلك، بقي سؤال معلقاً فوق الغابة:
من الذي كان يضحك فعلاً؟
الحمار؟
أم الذين صنعوا منه حصاناً؟
أم أولئك الذين عرفوا منذ البداية أنه حمار، ثم دفعوه إلى المضمار، وتركوا الفقراء يدفعون رسوم السباق، وجلسوا بعيداً عن الحوافر والرصاص والركام يتابعون النتيجة؟
وهنا تظهر اللعبة كاملة.
لأن الدعاية تستطيع أن تصنع من الحمار حصاناً على الشاشة.
وتستطيع أن تصنع من الهزيمة نشيداً.
ومن الكارثة «مرحلة أولى».
وتستطيع أن تجعل الغابة كلها تدفع فاتورة سباق لم تختره.
لكن الأخطر أنها لا تفعل ذلك دائماً من جيب الحمار وحده.
فقد كان وراء المضمار من يموّل الصخب، ويغذي الرواية، ويمنح الحمار ما يكفي من المال والضوء كي يواصل الجري قبل أن يبدأ.
كان يعرف أن الحمار سوف يخسر.
ويعرف أن الغابة سوف تحرق وتخسر.
ويعرف أن غابات أخرى ستدفع.
لكنه كان يعرف شيئاً أهم:
أنه لن يخسر.
وهكذا ظلت الغابة تتجادل حول الحمار، بينما كان أصحاب المضمار يحسبون الأرباح.
وحين انتهى السباق، لم يبحثوا عن الحقيقة.
بحثوا عن حمار آخر.
لكنهم لا يستطيعون منع الحقيقة من العودة.
والحقيقة، حين تعود، لا تنهق.
تصمت قليلاً…
ثم ترفع الستار.
عندها يظهر المضمار كما هو.
وتظهر الخيول كما هي.
ويظهر الحمار كما هو.
وتظهر الفاتورة، أخيراً، بحجمها الحقيقي.
ثم يظهر خلف البوابة، أولئك الذين كانوا يبحثون منذ البداية عن حمار جديد.
لأن المسرحية لم تكن عن الحمار.
كانت عن الذين يحتاجون إلى حمار كي تستمر المسرحية.
وكانت تجارتهم الحقيقية، منذ البداية، ليست في الحمار…
بل في كل ما يحدث حوله.