رؤية لمهنة المحاسبة في عام 2026 وما بعده
على امتداد رحلتي المهنية الطويلة في خدمة مهنة المحاسبة، شهدتُ تحولها اللافت من تخصص يقوم على مسك الدفاتر يدويًا إلى مهنة تقف اليوم في طليعة الابتكار التكنولوجي.
وبصفتي مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة طلال أبوغزاله (TAG.Global)، والرئيس السابق لفريق الخبراء الحكوميين الدوليين المعنيين بالمعايير الدولية للمحاسبة والإبلاغ (ISAR) التابع للأمم المتحدة، وأحد قادة الجمعية العربية للمحاسبين القانونيين، كرّستُ مسيرتي المهنية لتطوير معايير المحاسبة الدولية وضمان تطور المهنة بما يواكب متطلبات عالم سريع التغير.
لقد أحدثت الثورة الرقمية نقلة نوعية رفعت المحاسبة من وظيفة مسانِدة إلى ركيزة استراتيجية في قيادة الأعمال. فقد أتاحت الحوسبة السحابية الوصول الفوري إلى البيانات المالية، مما مكّن من اتخاذ قرارات بسرعة ودقة غير مسبوقتين. وأصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا أساسيًا في العمليات المالية، حيث يقوم بأتمتة الإجراءات المعقدة، وكشف المخالفات، وتعزيز الكفاءة. كما حوّلت تحليلات البيانات الضخمة المحاسبين إلى مستشارين موثوقين قادرين على استخلاص الرؤى من كمّ هائل من المعلومات وتوجيه الاستراتيجية المؤسسية.
في عام 2026، لم يعد المحاسبون محصورين في دور حفظ السجلات. بل أصبحوا مهندسي استشراف، يوظفون التحليلات التنبؤية لتوقع المخاطر، وتحديد الفرص، وتقديم المشورة بشأن تخصيص الموارد. لقد حلّت مكان صورة المحاسب التقليدية المحاطة بالملفات الورقية صورة جديدة لنخبة من المهنيين الذين يعملون عند تقاطع المال والتكنولوجيا، ويسهمون في رسم مستقبل المؤسسات.
غير أن هذه الفرص تصاحبها مسؤوليات جسيمة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، أكدتُ على الأهمية البالغة لأمن المعلومات في حماية البيانات المالية، إذ التحقتُ بأول دورة لي في أنظمة الحاسوب المركزية (Mainframe) لدى شركة IBM عام 1965 في منشآتها بمدينة هاي ويكومب في المملكة المتحدة. واليوم، تُعد البيانات المالية من أثمن أصول أي مؤسسة، ويجب التعامل مع حمايتها بنفس مستوى اليقظة المخصص لحماية الثروات المادية. وعلى المحاسبين أن يعملوا جنبًا إلى جنب مع خبراء التكنولوجيا لبناء أنظمة مرنة وقادرة على التصدي للتهديدات السيبرانية المتزايدة، بما يحفظ الثقة ويصونها.
كما تُسهم التقنيات الناشئة، مثل سلسلة الكتل (البلوك تشين) والعملات الرقمية، في إعادة تشكيل المشهد المحاسبي. فقد أضفت تقنية البلوك تشين مستويات عالية من الشفافية والأمان على التقارير المالية، مما سهّل عمليات التدقيق وقلّل من مخاطر التلاعب. وأصبحت الأصول الرقمية تظهر في الميزانيات العمومية، الأمر الذي يستلزم من المحاسبين إتقان أساليب تقييم جديدة والتعامل مع أطر تنظيمية دولية معقدة. وفي الوقت ذاته، غدا الإفصاح عن الاستدامة مسؤولية محورية، حيث يُكلَّف المحاسبون بقياس والإفصاح عن الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة (ESG)، ومساعدة الشركات على مواءمة أعمالها مع أهداف الاستدامة العالمية.
لقد حظيت المحاسبة البيئية باهتمامي الكبير منذ عقود، حين قدتُ في عام 1999 إعداد تقرير تفصيلي بالتعاون مع خبراء دوليين بعنوان «المحاسبة والإبلاغ المالي للتكاليف والالتزامات البيئية»، استعرض الممارسات المحاسبية اللازمة لفهم التكاليف والالتزامات البيئية على نحو شامل. وقد أُنجز هذا العمل تحت مظلة الجمعية العربية للمحاسبين القانونيين (ASCA) التي أسستها عام 1984، وبالتشاور مع الأمم المتحدة وفريق الخبراء المعنيين بالمعايير الدولية للمحاسبة والإبلاغ (ISAR).
إن مستقبل المحاسبة مشرق، وقد تطور ليغدو شراكة تكاملية بين الخبرة البشرية والذكاء التكنولوجي. ويتعيّن على المحاسبين تبني التعلم المستمر والتحول إلى خبراء في التكنولوجيا، مع إتقان مهارات تحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتواصل، ليظلوا عناصر لا غنى عنها في هذا العصر الجديد.
لم يعد دورنا مقتصرًا على توثيق الماضي، بل بات يتمثل في توجيه المستقبل، وصون النزاهة، والمساهمة في النجاح المستدام للمؤسسات حول العالم.