72 أسيرة فلسطينية يواجهن واقعا قاسيا خلف القضبان
يحل يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار/مارس مناسبة للاحتفاء بإنجازات النساء ونضالاتهن من أجل العدالة والمساواة، غير أنّ هذه المناسبة في فلسطين تأتي محمّلة بواقع مختلف، إذ تعيش المرأة الفلسطينية تحت منظومة الاحتلال الإسرائيلي.
وفي هذا السياق تختلط رمزية هذا اليوم بقصص الفقدان والقمع والحرمان والمعاناة، لتبرز قضية الأسيرات الفلسطينيات بوصفها واحدة من أبرز القضايا المرتبطة باستهداف الوجود الفلسطيني ودور المرأة في المجتمع.
وعلى مدار عقود طويلة، تعرّضت النساء الفلسطينيات للاعتقال وسوء المعاملة والتعذيب والحرمان من أبسط حقوقهن، ضمن منظومة قمعية مستمرة لم تتغير ملامحها.
وتشير المؤسسات الحقوقية إلى أن ما تعيشه النساء الفلسطينيات اليوم، ومن بينهن الأسيرات في سجون الاحتلال، ليس استثناءً بل امتداد لسياسة ممنهجة تستهدف الفلسطينيين وتسعى إلى تقويض حضورهم الاجتماعي والوطني.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة وما رافقها من جرائم واسعة النطاق، شهدت أوضاع النساء الفلسطينيات تحولات غير مسبوقة، إذ تصاعدت حملات الاعتقال بشكل ملحوظ في مختلف المناطق الفلسطينية، وارتفعت أعداد النساء اللواتي تعرّضن للاعتقال.
وترافقت هذه الحملات مع تفاقم ظروف الاحتجاز، حيث تبدأ الانتهاكات منذ لحظة الاعتقال مرورًا بمرحلة التحقيق وحتى الاحتجاز في السجون والمعسكرات، في ظل ممارسات تعذيب وإذلال ممنهجة.
ويستعرض تقرير مشترك صادر عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان أبرز المعطيات المتعلقة بواقع الأسيرات الفلسطينيات، والجرائم والانتهاكات المرتبطة بعمليات الاعتقال، استنادا إلى شهادات وإفادات لنساء تعرّضن للاعتقال، إضافة إلى قراءة لواقع الأسيرات في السجون والتحولات التي طرأت على ظروف احتجازهن.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، يواصل الاحتلال الإسرائيلي اعتقال 72 أسيرة فلسطينية في سجونه، معظمهن محتجزات في سجن الدامون، بينهن ثلاث قاصرات و32 أمًا لديهن نحو 130 طفلًا.
كما تخضع 17 أسيرة للاعتقال الإداري دون محاكمة، فيما تقضي خمس أسيرات أحكامًا متفاوتة تصل أعلاها إلى 16 عامًا. وتشير البيانات أيضًا إلى وجود 50 موقوفة لم تصدر بحقهن أحكام بعد، من بينهن معتقلات على خلفية ما يسمى بـ"التحريض".
ومن الناحية الصحية، توجد أسيرة جريحة و18 أسيرة مريضة، بينهن ثلاث مصابات بالسرطان، إضافة إلى 12 طالبة جامعية وثلاث طالبات مدارس. وتتركز الغالبية العظمى من الأسيرات في الضفة الغربية بما فيها القدس، إلى جانب ثلاث أسيرات من الداخل الفلسطيني.
ومنذ اندلاع الحرب، صعّد الاحتلال حملات الاعتقال بحق النساء، حيث تجاوز عدد اللواتي تعرّضن للاعتقال 700 امرأة، شملت طالبات جامعيات وناشطات وربات بيوت وقاصرات.
ويرى التقرير أن هذه الاعتقالات تعكس توجها لتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل النساء بوصفهن جزءًا من البنية الاجتماعية الفلسطينية، في إطار سياسات الانتقام الجماعي.
كما وثقت المؤسسات حالات اعتقال لنساء استخدمن كرهائن للضغط على أفراد من عائلاتهن، حيث جرى احتجاز زوجات وأمهات وأقارب مطلوبين بهدف إجبارهم على تسليم أنفسهم.
وقد رافق ذلك أشكال متعددة من التنكيل والضغط النفسي، شملت التهديد والاعتداء الجسدي وتخريب المنازل ومصادرة الممتلكات.
وتشير شهادات الأسيرات إلى تعرض العديد منهن لاعتداءات جسدية ونفسية خلال لحظة الاعتقال، سواء أثناء اقتحام المنازل أو على الحواجز العسكرية.
ففي حالات كثيرة تبدأ العملية باقتحام عنيف للمنازل في ساعات الليل أو الفجر، يتخلله تكسير للأبواب وتفتيش واسع وتهديد بالسلاح، فيما تتعرض النساء للتقييد وعصب الأعين والإهانات أثناء النقل إلى مراكز التحقيق.
كما برزت تهمة "التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي" كأحد أبرز أسباب اعتقال النساء، حيث وسعت سلطات الاحتلال تفسير هذه التهمة لتشمل منشورات أو تعبيرات شخصية على الإنترنت، ما جعل الفضاء الرقمي مجالاً للملاحقة والاعتقال.
ويشكل الاعتقال الإداري أيضا سياسة متصاعدة بحق النساء الفلسطينيات، إذ يتم احتجاز المعتقلة دون لائحة اتهام استنادًا إلى ما يسمى "ملفا سريا"، مع إمكانية تجديد الاعتقال لفترات غير محددة، ما يترك الأسيرات وعائلاتهن في حالة انتظار مفتوحة دون محاكمة عادلة.
أما داخل السجون، فتواجه الأسيرات واقعًا قاسيًا يبدأ من مراكز التحقيق مرورًا بسجن "هشارون" كمحطة مؤقتة، وصولاً إلى سجن الدامون حيث يُحتجز معظمهن. وتشير الإفادات إلى انتشار ممارسات التعذيب وسوء المعاملة والتجويع والحرمان من العلاج والرعاية الصحية، إضافة إلى الاكتظاظ الكبير الذي أدى إلى تدهور الظروف المعيشية داخل السجن.
وتتحدث شهادات الأسيرات كذلك عن عمليات اقتحام وقمع متكررة داخل الأقسام، غالبًا ما ترافقها الكلاب البوليسية واستخدام القوة والضرب والتفتيش العاري. كما تُجبر الأسيرات أحيانًا على الجلوس في أوضاع مهينة لفترات طويلة، وتُصادر ممتلكاتهن المحدودة ويُحرمن من الخروج إلى ساحة السجن.
كما وثّقت المؤسسات حالات اعتداءات جنسية وتحرش وتفتيش عارٍ تعرضت لها الأسيرات خلال الاعتقال أو التحقيق، إضافة إلى تهديدات بالعنف الجنسي. وأشارت تقارير أممية إلى وجود شهادات موثوقة عن انتهاكات جنسية بحق معتقلات فلسطينيات، ما يعكس خطورة هذه الممارسات وانتهاكها الصارخ للقانون الدولي.
وفي ضوء هذه المعطيات، تؤكد المؤسسات الحقوقية ضرورة تحرك دولي جاد لترجمة الالتزامات القانونية إلى إجراءات عملية، بما في ذلك تطبيق الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاحتلال غير شرعي، والعمل على إنهائه وعدم الاعتراف بآثاره.
كما شددت المؤسسات على ضرورة الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الأسيرات الفلسطينيات، في ظل واقع تحولت فيه السجون إلى منظومة من معسكرات التعذيب والانتهاكات، لتصبح إحدى ساحات المعاناة الإنسانية المستمرة.