حين تستيقظ فلسطين… يبدأ الفجر بقلم شادي عياد
حين تستيقظ فلسطين… يبدأ الفجر
بقلم شادي عياد
إن أعظم الثورات ليست تلك التي تهدم القصور، بل تلك التي تهدم الخوف.
الثورات التي تبدأ في أعماق الإنسان، حين يكتشف أن العبودية ليست قدرًا، وأن الظلم ليس قانونًا، وأن المستبد، مهما ارتفع، ليس أكبر من شعبه.
من إبراهيم عليه السلام، وهو يقف وحده أمام الأصنام، إلى موسى عليه السلام وهو يواجه فرعون، إلى محمد ﷺ وهو يحمل إلى مكة نورًا حرر الإنسان من عبادة الإنسان، كان المعنى واحدًا:
لا تجعلوا من بشرٍ آلهة، ولا تجعلوا من الخوف قدرًا.
فالأنبياء لم يأتوا ليبدلوا سيدًا بسيد، بل ليعيدوا للإنسان كرامته.
ومنذ ذلك اليوم، لم يتغير درس التاريخ كثيرًا.
تسقط الأصنام، وتنحني العروش وتذهب الإمبراطوريات التي ظنت أنها باقية إلى الأبد…
ويبقى الإنسان.
ويبقى الشعب.
وتبقى إرادته حين يؤمن بنفسه.
وفلسطين تعرف هذا أكثر من غيرها.
هذا الشعب الذي حمل مفتاح بيته في المنافي، وحمل أسماء قراه في ذاكرته، وحمل فلسطين معه من مخيم إلى مخيم، ومن جيل إلى جيل. شعبٌ لم يستطع الاحتلال أن ينتزع وطنه من قلبه، فكيف يمكن أن يقبل أن تُنتزع منه كرامته في وطنه؟
من رفض أن يكون لاجئًا بلا وطن، لن يقبل أن يصبح مواطنًا بلا كرامة.
ولهذا أشعر أن شيئًا ما يتحرك في أعماق الناس.
ليس ضجيجًا.
بل ذلك الصمت الفلسطيني العميق الذي لا يعني دائمًا الرضا، أحيانًا يكون الصمت هو اللحظة التي تسبق الكلمة.
وقد اقتربت الكلمة.
صدقوني
اقتربت لحظة أن يقول الناس: كفى.
كفى للفقر حين يصبح قدرًا.
كفى للفساد حين يصبح أمرًا عاديًا.
كفى لصناعة الفتن حين تصبح وسيلةً للبقاء.
وكفى لكل من نسي أن السلطة تكليف وأن المنصب عابر، وأن الوطن ليس مزرعةً لأحد.
حتى أولئك الذين أطالوا الجلوس على الكراسي حتى بدأت المرآة تقنع بعضهم بأنه صار باشا!
يا لها من سخرية الزمن…
فلسطين ليست مملكة، وشعبها ليس رعية، والكرسي لا يمنح صاحبه نسبًا إلى الوطن.
فمن جلس على الكرسي لا يصبح أكبر من الناس. أحيانًا يصبح فقط أكثر حاجةً إلى أن يتذكر أنه واحد منهم.
وهنا بالذات، تأتي فتح.
فتح التي خرجت من المخيم، ومن الفقر، ومن بين أولئك الذين لم يكن لديهم سوى الإيمان بفلسطين.
فتح التي كانت الثورة قبل أن تكون سلطة، والفكرة قبل أن تصبح تنظيمًا، والحلم الذي جعل المستحيل الفلسطيني ممكنًا.
لهذا لا تحتاج فتح إلى انطلاقةٍ جديدة بقدر ما تحتاج إلى استعادة روح انطلاقتها الأولى.
روح المخيم.
روح الفقراء.
روح العامل.
روح الفلاح.
روح اللاجئ الذي لم يملك شيئًا سوى وطنه.
روح المناضل الذي لم يكن يسأل: ماذا سأحصل؟ بل كان يسأل: ماذا سأقدم؟
هذه هي فتح التي نريد.
فتح التي تقف إلى جانب الشعب لا فوقه.
فتح التي تخاف على فلسطين من الفساد كما تخاف عليها من الاحتلال.
فتح التي تعرف أن قوة الحركة ليست في عدد الكراسي، بل في عدد القلوب التي ما زالت تؤمن بها.
وأعتقد أن ساعة الحقيقة تقترب.
لا ساعة الفوضى.
ولا ساعة الانتقام.
ولا ساعة الدم.
بل ساعة الحساب الوطني الهادئ والعميق. الحساب الذي يبدأ بسؤال بسيط، لكنه أثقل من كل الخطب:
ماذا فعلنا بفلسطين؟
ماذا فعلنا بكرامة الناس؟
ماذا تركنا للشباب؟
لماذا أصبح الفقير أكثر تعبًا، والوطن أكثر إنهاكًا، والأمل أكثر ندرة؟
وأين ذهبت تلك الروح التي جعلت فلسطين أكبر من الأشخاص والمناصب؟
هذا حساب لا يحتاج إلى ثأر.
يكفيه القانون.
وتكفيه الحقيقة.
وتكفيه إرادة الناس.
ويكفيه التاريخ، ذلك القاضي الذي لا ينام، ولا يخشى الألقاب، ولا تعنيه البدلات، ولا يقف احترامًا أمام الكراسي.
وقد يطول صبر الشعب، لكن لا أحد يملك أن يبيع صبره إلى الأبد.
فالشعب الفلسطيني ليس شعبًا سهل الكسر.
لقد خرج من النكبة ولم يمت.
وعاش المخيم ولم ينسَ.
وواجه الاحتلال ولم يتخلَّ عن فلسطين.
فهل يعقل أن يهزمه الخوف من الفقر أو الفساد أو الاستبداد؟
لا.
أنا أؤمن بهذا الشعب.
وأؤمن أن لحظة استعادة ثقته بنفسه ستغير أشياء كثيرة.
لا نريد فوضى.
نريد إصلاحًا.
لا نريد انتقامًا.
نريد عدالة.
لا نريد أن نستبدل ظلمًا بظلم.
نريد أن يتحرر الإنسان كما نريد أن تتحرر الأرض.
سنقاوم الاحتلال البغيض، كما قاومناه دائمًا.
لكننا نريد فلسطين حرة من الاحتلال، وحرة أيضًا من الخوف ومن الفساد ومن الاستبداد، ومن كل ما يجعل الإنسان غريبًا في وطنه.
فالوطن الذي نحلم به ليس مجرد حدود.
إنه كرامة.
وعدالة.
وأمان.
وحق الإنسان في أن يرفع رأسه دون أن يستأذن أحدًا.
وربما نحن الآن في الغسق.
تلك اللحظة التي يبدو فيها الليل طويلًا إلى درجة أن البعض يظن أن الفجر لن يأتي.
لكن الغسق ليس موت الضوء.
إنه آخر امتحان للعين قبل أن تراه.
ولهذا لا تيأسوا.
فالفجر لا يحتاج إذنًا من الليل.
والشعوب لا تحتاج إذنًا من الظلم كي تستعيد كرامتها.
وقد يطول الليل.
وقد يكثر "الباشوات" رغم قصر قامتهم.
وقد يظن بعضهم أن الكرسي أطول عمرًا من الشعب…
لكن التاريخ علّمنا شيئًا لا يتغير:
الكراسي عابرة.
والألقاب عابرة.
والباشاوات عابرون.
أما الشعوب فباقية.
وفلسطين باقية.
وفتح باقية حين تعود إلى روحها.
والأمل باقٍ ما دام في صدر فلسطيني واحد قلبٌ يقول:
هذه البلاد لنا، وهذه الكرامة لنا، وهذا المستقبل لنا.
وحين يستعيد الشعب إيمانه بنفسه، لن تكون هناك حاجة إلى كثير من الكلام.
ستتكلم فلسطين بنفسها.
وقد يكون كلامها قاسيًا على من أرهقها…
فهي لا تكره أحدًا، لكنها تعرف كيف تتخلص من المرض.
ستتقيأ ما لا يشبهها.
ثم تنهض.
لا لتنتقم…
بل لتستعيد نفسها.
وحين تستعيد فلسطين نفسها، سيعرف الجميع أن أعظم الثورات ليست ثورة الحجارة ولا ثورة الشوارع…
بل ثورة الإنسان حين يقول:
لن أعيش عبدًا بعد اليوم.
وعندها…
ينتهي الغسق.
ويبدأ الفجر.
بقلم شادي عياد