محمود عباس… من غرفة التأسيس الأولى إلى حمل أعباء القضية في أصعب منعطفاتها .. بقلم شادي عياد
الرجل الذي مرَّ من هنا
محمود عباس… من غرفة التأسيس الأولى إلى حمل أعباء القضية في أصعب منعطفاتها
بقلم شادي عياد
عندما تُفتح خزائن الأسرار الفلسطينية يومًا ما، وعندما يقرر الزمن أن يتحدث دون مجاملة لأحد، سيقف رجلٌ طويل العمر في السياسة، ثقيل التجربة، حادُّ الذاكرة اسمه محمود عباس "ابو مازن ".
ليس لأنه كان الأعلى صوتًا.
ولا لأنه كان أكثر القادة ظهورًا أمام الكاميرات.
بل لأنه كان حاضرًا في اللحظات التي صنعت الرواية الفلسطينية الحديثة منذ بداياتها الأولى.
هناك…
في تلك السنوات البعيدة، حين كانت فلسطين فكرةً مطاردة، وحلمًا يتنقل بين المنافي والمخيمات، اجتمع رجال آمنوا أن شعبًا كاملًا يستحق أن يكون له وطن.
كان ياسر عرفات يحمل النار.
وكان خليل الوزير يحمل روح الميدان.
وكان صلاح خلف يحمل عقل الأمن والثورة.
وكان خالد الحسن يحمل الرؤية السياسية.
وكان هاني الحسن يقرأ خرائط المستقبل.
وكان حولهم رجالٌ آخرون كتبوا أسماءهم بعرقهم ودمائهم ودماء رفاقهم.
وفي الزاوية التي لا يلتفت إليها كثيرون، كان محمود عباس يجلس بهدوء.
هادئًا…
لكن الهدوء أحيانًا يكون أكثر تأثيرًا من الضجيج.
كان يكتب حين يتحدث الآخرون.
ويخطط حين ينشغل الآخرون.
ويحسب الخطوة التالية بينما كان الجميع منشغلًا بالخطوة الحالية.
منذ البدايات الأولى لم يكن رجل المعركة اليومية فقط، بل رجل الأسئلة الكبرى:
كيف تتحول الثورة إلى مشروع وطني؟
كيف يتحول الحلم إلى مؤسسة؟
كيف يتحول الشعب من حالة انتظار إلى حالة بناء؟
أسئلة لم تكن تثير الحماس في المهرجانات ولكنها كانت تصنع المستقبل.
ومرت السنوات…
وتكاثرت البنادق.
وتكاثرت المعارك.
وتكاثرت الشهداء.
وسقط عمالقة من جيل التأسيس الواحد تلو الآخر.
رحل أبو جهاد.
ورحل أبو إياد.
ورحل أبو الهول.
ورحل خالد الحسن.
ورحل كثيرون ممن ظن الناس أن غيابهم سيطوي الصفحة.
لكن الصفحة بقيت مفتوحة.
وكان محمود عباس ما يزال هناك.
شاهداً…
وشريكاً…
وحارساً لذاكرة كاملة.
ثم جاءت سنوات التحولات الكبرى.
سنوات لم تعد فيها القضية بحاجة إلى من يقاتل فقط، بل إلى من يعرف كيف يبقيها حية وسط عالم يتغير بسرعة مذهلة.
هنا ظهر الدور الذي لا يراه كثيرون.
فالرجل الذي شارك في تأسيس حركة فتح، وجد نفسه لاحقًا يشارك في تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية.
والرجل الذي عاش زمن الثورة، وجد نفسه يقود زمن المؤسسة.
والرجل الذي عرف لغة المنافي، وجد نفسه مسؤولًا عن بناء الوزارات والجامعات والمحاكم ومؤسسات الدولة الفلسطينية القادمة.
كانت مهمة شاقة.
فبناء المؤسسات أصعب أحيانًا من بناء الشعارات.
وحماية المشروع الوطني أصعب أحيانًا من إطلاق الخطابات.
ثم جاءت اللحظة الأصعب.
رحيل ياسر عرفات.
لحظة لم تكن مجرد انتقال قيادة، بل انتقال مرحلة كاملة من تاريخ فلسطين.
يومها لم يتسلم محمود عباس كرسيًا.
بل تسلم جبلًا.
تسلم انقسامًا سياسيًا.
وضغوطًا دولية.
واحتلالًا يزداد شراسة.
ومحيطًا عربيًا يتغير.
وأزمات مالية متلاحقة.
وصراعات داخلية لا تنتهي.
ومع ذلك بقي واقفًا.
يتلقى السهام من كل الاتجاهات.
ويتحمل أخطاء كثيرين.
ويدفع أثمان قرارات لم يكن هو صانعها.
ويحمل فوق كتفيه أعباء مرحلة كاملة بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في قصة محمود عباس أن الرجل الذي كان حاضرًا عند ولادة فتح، بقي حاضرًا عند ولادة السلطة، ثم عند بناء المؤسسات، ثم عند تثبيت اسم فلسطين على خريطة العالم السياسية، ثم عند انتزاع الاعترافات الدولية المتتالية، ثم عند حماية بقاء المشروع الوطني الفلسطيني في أكثر مراحله تعقيدًا وخطورة.
كأن الأقدار كانت تضعه دائمًا عند المنعطفات الكبرى.
لا عند الاحتفالات…
بل عند الاختبارات.
ولا عند التصفيق…
بل عند المسؤولية.
وربما لأن الشعوب لا تنسى من حمل أوجاعها طويلًا، فإن كثيرين من أبناء فلسطين ينظرون اليوم إلى محمود عباس بوصفه واحدًا من آخر رجال جيل التأسيس الذين بقوا واقفين في قلب العاصفة.
جيلٌ رحل منه الكبار تباعًا، وبقي هو يحمل ذاكرة السنوات الثقيلة، وأمانة القضية، وأعباء شعبٍ لم يعرف يومًا طريقًا سهلًا نحو الحرية.
ولذلك، فإن كلمات الشكر مهما كثرت تبقى أقل من حجم المسؤولية التي حملها الرجل على كتفيه عبر عقود طويلة من العمل الوطني والسياسي.
لقد اختلف الناس حول سياسات كثيرة، وهذا أمر طبيعي في حياة الشعوب، لكن أحدًا لا يستطيع إنكار حجم انتمائه لفلسطين، ولا وفاءه لحركة فتح، ولا إخلاصه للمشروع الوطني الذي نذر له عمره منذ البدايات الأولى وحتى هذه اللحظة.
ولهذا يأمل الفلسطينيون أن يبقى ذلك الفارس متمسكًا بزمام المعركة الوطنية، وألا يترجل عن فرسه قبل أن يرى راية الإصلاح ترتفع عالية، وقبل أن يُهزم الفساد والفاسدون، وقبل أن تُفتح الأبواب أمام أصحاب الكفاءة والنزاهة، وقبل أن يُزاح عن طريق فلسطين أولئك الذين التصقوا بالكراسي حتى ظنوا أن المناصب خُلقت لهم، وأولئك الذين سكنوا متاحف السياسة حتى باتوا جزءًا من معروضاتها القديمة.
ويأمل الفلسطينيون أن يأتي اليوم الذي ترفع فيه زهرة من زهرات فلسطين، أو شبل من أشبالها، علم فلسطين فوق أسوار القدس، وعلى مآذن القدس وكنائس القدس، في مشهد يليق بتضحيات الشهداء والأسرى والجرحى وكل أبناء هذا الشعب العظيم.
كما يأملون أن تتحقق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وأن تعود البوصلة واحدة، والكلمة واحدة، والهدف واحد، لأن فلسطين أكبر من كل الخلافات، وأسمى من كل الانقسامات.
وفي هذا السياق، يتطلع كثيرون إلى الجيل القادم من القيادات الوطنية، وينظرون باهتمام وأمل إلى الأخ ياسر عباس “أبو عمار”، باعتباره أحد الوجوه التي ينتظر منها الفلسطينيون أن تواصل نهج الوفاء والانتماء وتحمل المسؤولية، وأن تكون امتدادًا لمدرسة وطنية آمنت بفلسطين قبل المناصب، وبالقضية قبل المصالح، وبالدولة قبل الامتيازات.
وحين يغادر الجميع قاعة النقاش…
ويجلس التاريخ وحيدًا ليكتب شهادته الأخيرة…
سيكتب جملة قصيرة ربما تختصر كل شيء:
“كان هناك رجال صنعوا الحدث…
وكان هناك رجال حافظوا على بقاء القضية حتى لا يضيع الحدث نفسه.”
أما فلسطين…
فستبقى تنتظر أبناءها الأوفياء.
وتبقى تردد في كل صباح:
إن الرايات قد تتبدل أيدي حامليها…
لكن الوطن يبقى أكبر من الجميع…
وأبقى من الجميع…
وأغلى من الجميع.
بقلم شادي عياد