إنكار الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني
وأخيرا، أعلن ترامب عن الجزء السياسي من صفقته المسماة صفقة القرن. لقد تردد على مدى سنوات في إعلان الصفقة، وتقديري أنه لم يكن واثقا من تطبيق هذه الصفقة بسبب رفض الشعب الفلسطيني المسبق لها.
ولميكن الرفض الفلسطيني مجرد رد فعل فوضوي تجاه الصفقة، وإنما كان مبنيا على خبرة تمتد على عشرات السنوات في السياسة الأمريكية الهمجية العدائية ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. لم يكن ترامب مطمئنا بأن صفقته ستمر، لكن الظروف الداخل الأمريكي حفزته للقيام بمبادرة ما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية التي لا يتقن لعبها، فقرر نشرها. واليوم الموافق 28/كانون ثاني/2020 سيأتينا الخبر اليقين حول بنود الصفقة ورؤيتها لحل الصراع الدائر في المنطقة العربية الإسلامية. تحدث ترامب في هذا اليوم حول الصفقة إنما ليس بالتفصيل، ولا بد للمحلل إلا أن يقرأ الصفقة كاملة والتي قال ترامب إنها من 80 صفحة.
وواضح من حديث ترامب أنه لم يقدم شيئا للشعب الفلسطيني، وقدم لللاصهاينة كل ما طلب نتنياهو فيما يتعلق بالقدس والاستيطان والجولان، الخ. تحدث ترامب عن دولة فلسطينية ضعف المساحة التي يتم الحديث عنها، لكنه لم يحدد معنى الضعف ولا معنى المنطقة التي يتم الحديث عنها. ربما هو يعني المنطقة أ التي تتمتع فيها السلطة بصلاحيات ممنوحة إسرائيلي إدارية وأمنية. طبعا هذه المناطق ليس محرمة على الصهاينة، وهم يجوبونها باستمرار.
تشكل هذه المنطقة 18% من مساحة الضفة الغربية، وضعفها يساوي 36%، أي حوالي 2000كم2. والدولة مشروطة بمنع الإرهاب، أي منزوعة السلاح، وتعمل كما السلطة الفلسطينية وكيلا أمنيا للكيان الصهيوني. هذا وقد نسف ترامب صفقته في بداية حديثه عندما قال إن القدس عاصمة إسرائيل غير القابلة للتجزئة. على كل حال، لا بد أن ننتظر نشر الخريطة التي يقول ترامب إنها أراضي الدولة الفلسطينية. صفقة ترامب غير قابلة للتطبيق وغير مقبولة للشعب الفلسطيني، وأغلب ما ورد فيها تمت الموافقة عليه أمريكيا سابقا. وأنا أتابع كلمة ترامب شعرت بإهانة كبيرة وذلا لأن الأمم تتحدث عن مصيرنا ومستقبلنا ونحن نقف على الرصيف عراة نستجدي الشفقة والرحمة. منذ توقيع اتفاق أوسلو حتى الآن، والتلاعب بنا مستمر، والآلام والأحزان تلاحقنا.
لقد أجرم أهل أوسلو وألحقوا بنا المهانة والهوان. كنا نكبر بمقاوماتنا، والآن نختبئ من سوء أعمالنا. سبق أن أعلنت واشنطن عن الجزء الاقتصادي لصفقة القرن، وما وجدناه أن أمريكا لا تدع الفلسطينيين يطورون اقتصادا خاصا بهم، وهي تصر على تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الصهيوني، وتستمر في وضع لقمة خبز الشعب الفلسطيني بيد أعداء الشعب الفلسطيني وذلك من أجل الاستمرار فلي شل الإرادة الفلسطينية، وتغييب الفلسطينيين عن واجبهم الوطني في مواجهة التحديات التي يفرضها الاحتلال وأمريكا. ولهذا لم يكن من المتوقع أن يأتي الجزء السياسي من الصفقة بجديد مختلف عن التبعية الفلسطينية. الجزء السياسي لا بد إلا أن يكون امتدادا للجزء الاقتصادي، وهذا ما نراه الآن بعد الإعلان.
هناك إجماع فلسطيني على رفض صفقة القرن نظريا، لكنه من الصعب أن نرى إجماعا ميدانيا إجرائيا عمليا لمواجهتها. لدينا مقاومة فلسطينية في غزة، لكنها ليست على احتكاك مباشر مع الاحتلال بسبب عدم وجود قوات إسرائيلية في القطاع، وفاعلية هذه المقاومة لا تظهر حقيقة إلا وقت المواجهة المباشرة مع الجيش الصهيوني عبر الخطوط الفاصلة. الاحتكاك المباشر مع الاحتلال متوفر في الضفة الغربية، لكن الضفة لم تشهد تطويرا لقوى المقاومة، وتمكنت أجهزة الاحتلال الأمنية من قتل المقاومة في النفوس، وملاحقة كل الذين يفكرون بمواجهة الاحتلال.