وصل صوتي بعد أن انتهيت
كتبت : شروق الشريف
بعد أن صار موتي أوضح من حياتي
أتعلمون من أنا ..
أنا نعيم الشامي .. كنتُ حياً على ضفاف الموت قبل أيام..
أنا في الثانية عشرة فقط أو هكذا كنتم تقولون.
لكن عمري لم يكن سنوات كان بعدد الأحلام التي لم تولد بعد.. كُنتُ طفلًا
كان يجب أن أركض خلف كرة في الملعب .
لا أن أركض هاربًا من خوفٍ لا اسم له ولا عنوان.
كنتُ أعيش في بيتٍ قيل لي إنه مأوى
لكن جدرانه كانت تحفظ الصمت أكثر مما تحفظ الرحمة.
كنتُ صامتًا لكن صمتي كان عاليًا جدًا
ألم تسمعوه ؟ ألم تفهموه؟
كان الخوف في عينيّ واضحًا
ألم تروه؟ ألم تلاحظوه؟
كانت إشارات الخطر تومض في داخلي
كنجومٍ حمراء في ليلٍ طويل لكن لم تمتد يدٌ واحدة
لتمنع الحريق قبل أن يبدأ.
أنا لم أكن ضحية أبٍ فقط كنتُ ضحية فكرة
كبرتْ حتى صارت قانونًا: أنني لهُ فقط
أن بقائي عنده حقٌ لا يُناقش .. حتى لو صار ذلك الحق قفصًا
وحتى لو تحوّل القفص إلى أذى.
سمعتُ الكبار يتحدثون بعد طلاق أمي :
هذا حقه وهذا العُرف وهذه الأصول و ممنوع تشوف إمك إلا بإذن ابوك
لكنني كنتُ طفلًا .. ولم يسألني أحد إن كنتُ أريد النجاة.
أمي ..
بكل ذلك الحنان الذي يشبه الأرض
لم يكن مسموحًا لها أن تكون ملجأي.
وكأن الحب .. ليس من الحقوق.
تعرفون؟
أنا لم أمت دفعةً واحدة
كنتُ أموت على مهلٍ، ولكنكم جميعًا لم تلاحظوا ذلك.
في كل مرة خفتُ فيها ولم أتكلم
في كل مرة رأى أحدكم شيئًا وسكت
في كل مرة تأخر فيها بابٌ
كان يجب أن يُطرق.
وحين احترق جسدي
لم تكن تلك النهاية
كانت فقط آخر طريقة
لأخبركم أنكم تأخرتم كثيرًا.
أريد أن أقول لكم شيئًا الآن:
الأبوة ليست سلطة وليست امتلاكًا وليست حقًا بلا سؤال.
إن لم تكن رحمة .. تصبح أخطر من اليُتم.. والطفولة
ليست مرحلة يمكن كسرها والمضيّ إن انكسرت
ينكسر معها كل ما سيأتي بعدها.
لا تجعلوني رقمًا .. ولا خبرًا عابرًا
تقرؤونه مع القهوة ثم تنسونه مع الزمن .. ويُقتل غيري ..
أنا لم أكن قصة .. كنتُ حياة.
والآن.. بعد موتي ..
أريد أن أسألكم:
كم طفلًا آخر يجب أن يختفي ؟
قبل أن تفهموا أن الصمت مشاركة؟
أن التأخر جريمة؟ وأن العُرف ظُلم ..
يجب أن يُراجَع لا أن يُطاع؟
أنا هنا الآن…
في مكانٍ أكثر رحمة .. مكانٍ لا يؤلمني فيه الخوف ولا يُعاقَب فيه الصمت.
لكنكم .. ما زلتم هناك .. على أرض كلها وباء فلا تخسروا غيري.
احموا من تبقّى من بعدي .. قبل أن يصبح صوتهم مثل صوتي
يأتيكم متأخرًا بعد موته كما أحدثكم أنا الآن .